محمد بن جرير الطبري

74

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فلا بأس على من حضره أي يصلح بين الذين يوصى لهم وبين ورثة الميت وبين الميت ، بأن يأمر الميت في ذلك بالمعروف ، ويعرفه ما أباح الله له في ذلك ، وأذن له فيه من الوصية في ماله ، وينهاه أن يجاوز في وصيته المعروف الذي قال الله تعالى ذكره في كتابه : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ وذلك هو الإِصلاح الذي قال الله تعالى ذكره : فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وكذلك لمن كان في المال فضل وكثره ، وفي الورثة قلة ، فأراد أن يقصر في وصيته لوالديه وأقربيه عن ثلثه ، فأصلح من حضره بينه وبين ورثته وبين والديه وأقربيه الذين يريد أن يوصي لهم بأن يأمر المريض أن يزيد في وصيته لهم ، ويبلغ بها ما رخص الله فيه من الثلث ، فذلك أيضا هو من الإِصلاح بينهم بالمعروف . وإنما اخترنا هذا القول لأَن الله تعالى ذكره قال : فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً يعني بذلك : فمن خاف من موص أن يجنف أو يأثم . فخوف الجنف والإِثم من الموصي إنما هو كائن قبل وقوع الجنف والإِثم ، فأما بعد وجوده منه فلا وجه للخوف منه بأن يجنف أو يأثم ، بل تلك حال من قد جنف أو أثم ، ولو كان ذلك معناه قيل : فمن تبين من موص جنفا أو إثما ، أو أيقن أو علم ولم يقل فمن خاف منه جنفا . فإن أشكل ما قلنا من ذلك على بعض الناس فقال : فما وجه الإِصلاح حينئذ والإِصلاح إنما يكون بين المختلفين في الشيء ؟ قيل : إن ذلك وإن كان من معاني الإِصلاح ، فمن الإِصلاح الإِصلاح بين الفريقين فيما كان مخوفا حدوث الاختلاف بينهم فيه بما يؤمن معه حدوث الاختلاف ؛ لأَن الإِصلاح إنما هو الفعل الذي يكون معه إصلاح ذات البين ، فسواء كان ذلك الفعل الذي يكون معه إصلاح ذات البين قبل وقوع الاختلاف أو بعد وقوعه . فإن قال قائل : فكيف قيل : فأصلح بينهم ، ولم يجر للورثة ولا للمختلفين أو المخوف اختلافهم ذكر ؟ قيل : بل قد جرى ذكر الله الذين أمر تعالى ذكره بالوصية لهم ، وهم والدا الموصي وأقربوه والذين أمروا بالوصية في قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ثم قال تعالى ذكره : فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ لمن أمرته بالوصية له جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ وبين من أمرته بالوصية له ، فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ والإِصلاح بينه وبينهم هو إصلاح بينهم وبين ورثة الموصي . وقد قرئ قوله : فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ بالتخفيف في الصاد والتسكين في الواو وبتحريك الواو وتشديد الصاد ، فمن قرأ ذلك بتخفيف الصاد وتسكين الواو فإنما قرأه بلغة من قال : أوصيت فلانا بكذا . ومن قرأ بتحريك الواو وتشديد الصاد قرأه بلغة من يقول : وصيت فلانا بكذا ، وهما لغتان للعرب مشهورتان وصيتك وأوصيتك . وأما الجنف فهو الجور والعدول عن الحق في كلام العرب ، ومنه قول الشاعر : هم المولى وإن جنفوا علينا * وإنا من لقائهم لزور يقال منه : جنف الرجل على صاحبه يجنف : إذا قال عليه وجار جنفا . فمعنى الكلام : من خاف من موص جنفا له بموضع الوصية ، وميلا عن الصواب فيها ، وجورا عن القصد أو إثما بتعمده ذلك على علم منه بخطأ ما يأتي من ذلك فأصلح بينهم فلا إثم عليه . ومثل الذي قلنا في معنى الجنف والإثم قال أهل تأويل ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس في قوله : فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً يعني بالجنف : الخطأ . حدثني أبو كريب ، قال : ثنا جابر بن نوح ، عن عبد الملك ، عن عطاء : فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً قال : ميلا . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا عبد الملك ، عن عطاء ، مثله . حدثنا عمرو بن علي ، قال : ثنا خالد بن الحرث ويزيد بن هارون ، قالا : ثنا عبد الملك ، عن عطاء مثله . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك ، قال : الجنف : الخطأ ، والإِثم : العمد . حدثنا أحمد بن إسحاق الأَهوازي ، قال : ثنا الزبيري قال : ثنا هشيم ، عن جويبر ، عن عطاء مثله . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي . فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً أما جنفا : فخطأ في وصيته وأما إثما : فعمد يعمد في وصيته الظلم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً قال : جنفا إثما . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق قال :